محمد بن جرير الطبري
70
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا الحكم بن بشير ، قال : ثنا عمرو بن قيس الملائي ، قال : الصعيد : التراب . وقال آخرون : الصعيد : وجه الأرض . وقال آخرون : بل هو الصعيد وجه الأرض ذات التراب والغبار . وأولى ذلك بالصواب قول من قال : هو وجه الأرض الخالية من النبات والغروس والبناء المستوية ، ومنه قول ذي الرمة : كأنه بالضحى يرمي الصعيد به * ونابه في عظام الرأس خرطوم يعني : يضرب به وجه الأرض . وأما قوله طيبا الصعيد ، فإنه يعني به : طاهرا من الأقذار والنجاسات . واختلف أهل التأويل في معنى قوله : طَيِّباً فقال بعضهم الصعيد : حلالا . ذكر من قال ذلك : حدثني عبد الله بن محمد ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : سمعت سفيان يقول في قوله : صَعِيداً طَيِّباً من قال : قال بعضهم : حلالا . وقال بعضهم بما : حدثني عبد الله ، قال : ثنا عبدان ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءة ، قال : قلت لعطاء : فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً قال : الطيب : ما حولك . قلت : مكان جرد غير أبطح ، أيجزئ عني ؟ قال : نعم . ومعنى الكلام : فإن لم تجدوا ماء أيها الناس ، وكنتم مرضى ، أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لمستم النساء ، فأردتم أن تصلوا فتيمموا ، يقول : فتعمدوا وجه الأرض الطاهرة الصعيد ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم . القول في تأويل قوله تعالى : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ التيمم يعني بذلك جل ثناؤه : فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم ، ولكنه ترك ذكر " منه " اكتفاء بدلالة الكلام عليه . والمسح منه بالوجه أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر ، أو ما قام مقامه ، فيمسح بما علق من الغبار وجهه ، فإن كان الذي علق به الغبار كثيرا ، فنفخ عن يديه أو نفضه ، فهو جائز . وإن لم يعلق بيديه من الغبار شيء ، وقد ضرب بيديه أو إحداهما الصعيد ، ثم مسح بهما أو بها وجهه أجزأه ذلك ، لإجماع جميع الحجة على أن المتيمم لو ضرب بيديه الصعيد وهو أرض رمل فلم يعلق بيديه منها شيء فتيمم به أن ذلك مجزئه ، لم يخالف ذلك من يجوز أن يعتد بخلافه . فلما كان ذلك إجماعا منهم كان معلوما أن الذي يراد به من ضرب الصعيد باليدين مباشرة الصعيد بهما بالمعنى الذي أمر الله بمباشرته بهما ، لا لأخذ تراب منه . وأما المسح باليدين ، فإن أهل التأويل اختلفوا في الحد الذي أمر الله بمسحه من اليدين التيمم ، فقال بعضهم : حد ذلك الكفان إلى الزندين ، وليس على المتيمم مسح ما وراء ذلك من الساعدين . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو السائب سلم بن جنادة ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن حصين ، عن أبي مالك ، قال : التيمم تيمم عمار فضرب بيديه إلى التراب ضربة واحدة ، ثم مسح بيديه واحدة على الأخرى ، ثم مسح وجهه ، ثم ضرب بيديه أخرى ، فجعل يلوي يده على الأخرى ولم يمسح الذراع . حدثنا أبو السائب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن ابن أبي خالد ، قال : رأيت الشعبي وصف لنا التيمم : فضرب بيديه إلى الأرض ضربة ، ثم نفضهما ومسح وجهه ، ثم ضرب أخرى ، فجعل يلوي كفيه إحداهما على الأخرى ، ولم يذكر أنه مسح الذراع . حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن حصين ، عن أبي مالك ، قال : وضع عمار بن ياسر كفيه في التراب ، ثم رفعهما فنفخهما ، فمسح وجهه وكفيه ، ثم قال : هكذا التيمم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا أبو تميلة ، قال : ثنا سلام مولى حفص ، قال : سمعت عكرمة ، يقول : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة للكفين . حدثنا علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن سعيد وابن جابر ، أن مكحولا كان يقول : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع ، ويتأول مكحول القرآن في ذلك : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وقوله في التيمم : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ولم يستثن فيه كما استثنى في الوضوء إلى المرافق . قال مكحول : قال الله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما فإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع . حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا بشر بن بكر التنيسي ، عن ابن جابر : أنه رأى مكحولا